الشريف المرتضى
132
الذخيرة في علم الكلام
فان قيل : أليس من زرع سبخة مع ظنّه القويّ بأنها لا تجدي يوصف بأنه عابث ، ولا ينفعه أن يقول : إن غرضي التعرض للانتفاع بالزرع ، وإلا كان مثله تكليف من يكفر . قلنا : زارع السبخة مع ظنه أنها لا تجدي شيئا فعله قبيح ، لا من حيث كان عبثا بل من حيث كان مضيّا « 1 » لماله ، ومضرّا لنفسه ، ومتعجّل الغم بذلك . ألا ترى أنه لو جعل له بإزاء ما يتلف من بذره المنافع السنية لحسن منه ذلك ، وان علم أو ظن في الأرض أنها لا تنبت ، أن وجه القبح هو المضار الواصلة إليه دونه ظنه أنها لا تنبت ، ولو قبح ذلك للعبث لخرج بأدنى غرض عن العبث ، فكان حسن منه أن يزرع السبخ إذا سرّ بذلك بعض أصدقائه أو ضحك من فعله . فيلزم من سلك هذه الطريقة من بغدادية المعتزلة ، فإنهم يقبّحون تكليف من المعلوم أنه يكفر إذا لم يكن لطفا في ايمان غيره أن يحسن تكليف الخلق بأسرهم وان علم أنهم يكفرون ، إذا كان كذلك لطفا في ايمان واحد بل في طاعة واحدة تقع من بعضهم ، لأن بالقدر اليسير من الاغراض يخرج الفعل من كونه عبثا ، وهم يأبون « 2 » ذلك ويمتنعون منه . وبعد ، فتكليف من المعلوم أنّه يكفر لا يخلو من أن يكون فيما يرجع إلى المكلف نفعا على ما نقوله أو ضررا على ما يدعيه المخالفون ، فإن كان نفعا فلا معنى لايجاب كونه لطفا حتى يخرج من باب العبث ، وان كان ضررا فليس بخروجه من كونه ظلما أو قبيحا انتفاع الغير وايمانه . وأما ابطال كونه اضرارا من حيث أدّى إلى المضرة . قلنا : لا نسلم « 3 » كونه اضرارا ، بل غاية النفع والاحسان على ما أوضحناه ، وليس التكليف
--> ( 1 ) في م « متلفا » . ( 2 ) في ه « يأتون » . ( 3 ) في م « فانا لا نسلم » .